nav icon

نظرة على حياة المناضل الثوري تشي جيفارا

إرنستو جيفارا، المعروف في جميع أنحاء العالم باسم "تشي جيفارا"، كان تشي جيفارا طبيبًا أرجنتينيًا تحول الي ثوري ماركسي وأصبح له دور أساسي في الثورة الكوبية خلال الخمسينيات من القرن الماضي، وعلى الرغم من عدم نجاحه خارج كوبا، إلا أن التزام تشي جيفارا بالثورة العالمية من خلال الثورة المسلحة كان ليس له حدود، وتم إعدامه لاحقاً في أدغال بوليفيا عام 1967 الأمر الذي جعله لدى البعض شهيدًا لقضية التحرر في أمريكا الجنوبية والوسطى .

 

 

تأثيرات الطفولة على تشي جيفارا :
في روزاريو، الواقعة في مقاطعة سانتا في الولاية الأرجنتينية الشرقية كان جيفارا، هو أكبر طفل في العائلة، وكان لديه أربعة أخوة وأخوات أصغر سناً منه، وكل من والده، أرنستو غيفارا لينش، المهندس المدني الإيرلندي، ووالدته سيليا دي لا سيرنا، جاءا من عائلات بارزة، وكان كلاهما يعتنقان وجهات نظر سياسية يسارية، وكطفل صغير، بدأ جيفارا يعاني من نوبات الربو الحادة، وهي حالة ظلت معه طوال حياته، وعلى أمل أن تتحسن صحته، إنتقل والد جيفارا مع الأسرة كلها إلى منتجع جبل ألتا غراسيا، حيث قضى جيفارا طفولته .

 

وبسبب صحته، عندما كان طفلا صغيرا كان جيفارا يدرس في المنزل من خلال والدته التي بقيت قريبة جدا طوال حياته، وإستطاع أن يعرض جيفارا أفكاره السياسية الراديكالية بالإضافة إلى مكتبة العائلة التي تحتوي على أعمال مثيرة للجدل واليسارية، وقد طور أيديولوجيته السياسية بإعتبارها ثمرة لتربيته .

 

جيفارا

 

وحاول جيفارا التغلب على مرض الربو من خلال النشاط البدني الشاق، وأصبح لاعبا ممتازا، كما سافر الى الريف في رحلات الدراجات الطويلة، وفي سن المراهقة لم يُظهر جيفارا أي اهتمام بالملابس العصرية أو أحدث الإتجاهات، ولم يتناول أي خمور أو حتى قام بالتدخين، وفي سن الرابعة عشر إنضم الى حزب يوني الديمقراطي وشارك في معارك في الشوارع ضد أنصار الديكتاتور الأرجنتيني خوان .

 

 

جيفارا يعبر أمريكا الجنوبية :
على الرغم من الآراء السياسية الغير نمطية، كانت العائلة في العديد من النواحي نموذجية للطبقة العليا في البلاد، وكان من المتوقع أن يكون جيفارا قد تأثر بسبب صراعه مع الربو المزمن وموت جدته من السرطان، لذا اختار الطب كمهنة له، وذلك بعد تخرجه من المدرسة الثانوية مع مرتبة الشرف في سن التاسعة عشرة، حيث إلتحق بمدرسة الطب في جامعة بوينس آيرس، وكان جيفارا لا يهدأ وكان شخصا مغامرا، وترك دراسته في عام 1952 وركب دراجة نارية وتجول في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية مع صديقه ألبيرتو غرانادو عالم الكيمياء الحيوية .

 

وفي خلال عام سافر إلى تشيلي، بيرو، الإكوادور، كولومبيا وفنزويلا وقد قام الإثنان بتمويل مغامرتهما من خلال توليهما وظائف غريبة مثل سياسيين، وحمالين، وأطباء، وغاسلي الأطباق، وعُوقبوا بالسجن مرتين على الأقل، وتأثر جيفارا كثيرا بظروف الفقر والجوع والمرض التي شاهدها في جميع أنحاء القارة، وفي سان بابلو، فنزويلا، عمل كممرض في مستعمرة "لبرص"، وإكتشف هناك تضامنًا عميقًا بين المنبوذين بالإضافة إلى العزلة المؤلمة لوجودهم .

 

وفي نهاية المطاف قرر جيفارا العودة إلى الأرجنتين، متعهداً بالعودة إلى العمل في غرانادوس في الليبروساريوم بعد الإنتهاء من دراساته في كلية الطب، ومع عدم وجود نقود لمغادرة المنزل، شق جيفارا طريقه إلى بيته عبر ميامي، فلوريدا، بعد أن عرض أحد أقاربه شراء تذكرة طيران له، وبحلول أكتوبر من عام 1952، عاد جيفارا إلى الجامعة في بوينس آيرس .

 

 

فيدل كاسترو والثورة الكوبية :
هرب تشي جيفارا من البلاد وشق طريقه إلى مكسيكو سيتي، حيث كسب رزقه كطبيب، وسرعان ما إنضمت إليه زوجته هناك، وكان لديهما إبنة وعلى الرغم من إلتزاماته تجاه عائلته، لم يكن جيفارا مستعدًا للإستقرار في نمط حياة معين، وفي عام 1955 انضم إلى التمرد الكوبي الذي قام به فيدل كاسترو وشقيقه اللذان كانا يعيشان في المنفى في مكسيكو سيتي وكانا قد وضعا خططًا للإطاحة بالدكتاتور الكوبي فولجنسيو باتيستا .

 

وبدأ جيفارا مسيرته المهنية كثوري جدي عندما قام بالتوقيع مع كاسترو للعمل كطبيب لقوة الغزو، وكان جيفارا العضو الوحيد الذي لم يكن من أصل كوبي، وبعد خضوعه لتدريبات بدنية مكثفة في معسكر تدريبي لحرب العصابات السرية خارج مكسيكو سيتي، قام جيفارا بالذهاب مع كاسترو وجيشه الكبير على متن اليخت غرانما في البحر .

 

وسقطت غرانما على الأراضي الكوبية يوم 2 ديسمبر 1956، حيث ثبت أن محاولة الغزو غير حكيمة، فبعد ذلك الوقت بعدها بأربعة أيام فقط، أربعة عشر من قوات الغزو قُتلوا في معركة شرسة مع جيش باتيستا، وكان كل من الأخوين كاسترو وجيفارا من بين الناجين الذين فروا إلى منطقة جبلية وعرة في سييرا مايسترا في شرق كوبا، وعلى الرغم من أن جيفارا قد إنضم إلى الثورة كطبيب، إلا أنه أصبح قائدًا عسكريًا موهوبًا وصديق كاسترو الموثوق به .

 

وخلال العامين التاليين، قام كاسترو بحرب عصابات، وعمل جيفارا على أيدلوجية خاصة به، ففي حين سعى كاسترو فقط لتحرير وطنه، كان جيفارا من بين أول القوات المتمردة التي قامت بالدخول منتصرة في هافانا في 4 يناير 1959 .

 

وفي الحكومة الجديدة التي أنشأها كاسترو في كوبا، شجع كاسترو على إقامة دولة إشتراكية، وإنتقل كاسترو في ذلك الإتجاه بتعيين جيفارا في مناصب مرتبطة بالتمويل والإقتصاد، وكان أول واجب رسمي لجيفارا هو رئاسة قسم الصناعة في المعهد الوطني للإصلاح الزراعي، وفي نوفمبر 1959، اختار كاسترو جيفارا كرئيس للبنك الوطني الكوبي، وهو المنصب الذي شغله حتى فبراير من عام 1961، وعندما أصبح رئيسًا لوزارة الصناعة، وعلى الرغم من معرفته بالنظرية الماركسية، إلا أن جيفارا لم يكن لديه خبرة عملية في المالية أو الإقتصاد أو الحكومة .

 

وتحقيقا لهذه الغاية، سافر تشي جيفارا في جميع أنحاء العالم لإجراء مفاوضات تجارية مع الدول المحايدة والصديقة، ولعب دوراً حيوياً في إعادة ترتيب كوبا مع الإتحاد السوفييتي عن طريق التوسط في صفقة إشترطت أن يشتري الإتحاد السوفييتي السكر من كوبا في مقابل الدعم لسياسي والإستراتيجي لكوبا للكتلة الشيوعية، وفي عام 1961 نشر تشي جيفارا دليل تدريبي يشرح تكتيكات حرب العصابات، وكان هذا الكتاب يُقرأ على نطاق واسع بين الفصائل الثورية وكذلك وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي استخدمت هذه المعلومات لتدريب القوات المعارضة لإستراتيجية حرب العصابات .

 

أما عن جيفارا فقد كانت له رؤية مثالية للدولة الإشتراكية المثالية والتي لم تتلاشى أبداً، وهذه الرؤية هي التي دفعت كوبا نحو التصنيع، وألقى تشي جيفارا باللوم على الولايات المتحدة بشأن التدخل في الإقتصاد الكوبي من خلال دعم السكر، مما أعاق نمو الصناعة في الجزيرة، وتحولت العلاقات بين كوبا والولايات المتحدة إلى عدائية صريحة بعد أن إستولى جيفارا على مصافي تكرير النفط التي تملكها الولايات المتحدة وبريطانيا .

 

وقام بتحويل البلاد إلى تكاتف إقتصادي وسياسي أوثق مع الإتحاد السوفياتي، ومع ذلك، عملت عدة عوامل ضد نجاح جيفارا في إعادة تأسيس الإقتصاد الكوبي حول الصناعة التحويلية، ومن أولى هذه العوامل الإفتقار إلى الأموال الكافية لتمويل التنمية، فضلاً عن غياب أي أسواق راسخة ونقص التكنولوجيا المتقدمة .

 

وأصبح من الواضح أن خطة جيفارا للتصنيع كانت بمثابة فشل شبه كامل وكانت النتائج الملموسة الوحيدة هي ضعف الصناعة الزراعية ونجم عنها نقص في الغذاء، وعندما بدأ جيفارا في إنتقاد الإتحاد السوفييتي علناً لعدم تزويده بما يكفي من الدعم المالي، قرر كاسترو على ما يبدو أنه يجب عليه الإختيار بين صديقه القديم المخلص وحليفه القوي، وبالفعل اختار الإتحاد السوفييتي، وسرعان ما إختفى جيفارا عن الأنظار في شهر مارس من عام 1965، وسط تكهنات بأنه قد تم إقالته من قبل كاسترو أو نفيه أو سجنه أو حتى إعدامه .

 

وفي نهاية المطاف ظهر جيفارا أخيرا في جمهورية الكونغو الديمقراطية كجزء من منظمة ثورية محاولا الإطاحة بحكومة البلاد، وبعد ستة أشهر فقط، أُحبط بسبب عدم النجاح والإلتزام والتنسيق، وعاد جيفارا بهدوء إلى كوبا في مارس 1966 .

 

وتوقف كاسترو عن دعم صديقه عندما أصبح من الواضح بشكل متزايد أن خطط جيفارا لن تنجح، في ذلك الوقت كان جيفارا يعاني من حالة صحية سيئة وبعيداً عن الإمدادات الطبية كان يعاني من الربو وإنخفض وزنه ربما نتيجة لسوء حالته الصحية، وقام بالعديد من الأخطاء الإستراتيجية في الحكم .

 

وبعد شهرًا من الحرب مع الجيش البوليفي وجيش الجيش الأمريكي قام جيفارا بتقسيم قواته إلى قسمين بهدف إعادة التجميع، لكن الفريقين خسروا مسار بعضهما البعض وتجولا لعدة أشهر في محاولة لم الشمل، وفي 31 أغسطس 1967، خسر جيفارا وقواته في معركة حاسمة، تاركة جيفارا دون أي أمل في التعزيزات، وفي 8 أكتوبر1967، حاصر الجيش البوليفي جيفارا ورجاله الباقون في واد ضيق في كويبرادا ديل يورو، وفي المعركة التي تلت ذلك، أصيب جيفارا بجروح خطيرة وتم أسره وفي اليوم التالي أُعدم، وقُطعت يداه، ودُفن في مقبرة جماعية مع عدد من رجاله، وكان عمره وقتها 39 عاماً .

كتب : رباب احمد

مواضيع مميزة :

loading