nav icon

تاريخ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي

خلال الحرب العالمية الثانية، قاتلت كلا من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي معا كحلفاء ضد قوى المحور، ومع ذلك، كانت العلاقة بين البلدين متوترة ، وكان الاميركيون حذرين منذ فترة طويلة من الشيوعية السوفيتية والمخاوف بشأن حكم الرئيس الروسي جوزيف ستالين الاستبدادي المتعطش للدم في بلده .

 

ومن جانبهم، استنكر السوفييت رفض الاميركيين منذ عقود من الزمن معاملة الاتحاد السوفيتي كجزء شرعي من المجتمع الدولي، فضلا عن تأخر دخولهم الحرب العالمية الثانية، مما اسفر عن مقتل عشرات الملايين من الروس ، وبعد انتهاء الحرب، نمت هذه المظالم الى شعور ساحق بعدم الثقة والعداوة المتبادلة ، وادت التوسعية السوفيتية بعد الحرب في اوروبا الشرقية الى اثارة مخاوف العديد من الامريكيين من وجود خطة روسية للسيطرة على العالم .

 

وفى الوقت نفسه، ابدى اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية استياءه بما اعتبروه من الخطابات العدوانية، وتراكم الاسلحة والنهج التدخلي للعلاقات الدولية ، وفي مثل هذا الجو العدائي، لم يكن اي طرف واحد مسئولا تماما عن الحرب الباردة ، وفي الواقع، يعتقد بعض المؤرخين انها كانت لا مفر منها .

 

 

الحرب الباردة ، مرحلة الاحتواء :
في الوقت الذي انتهت فيه الحرب العالمية الثانية ، وافق معظم المسئولين الامريكان على ان افضل دفاع ضد التهديد السوفياتي هو استراتيجية تسمى "الاحتواء" ، وفي عام 1946، في كتابه الشهير "برقية لونغ "، شرح الدبلوماسي جورج كنان (1904 - 2005) وكتب قوة سياسية ارتكبت بشكل متعصب للاعتقاد بان مع الولايات المتحدة لا يمكن ان يكون لها طريقة دائمة ، واختلف الاتفاق بين الاطراف ، ونتيجة لذلك، كان الخيار الوحيد الذي اختارته اميركا هو احتواء التوسعات الروسية الموسعة على المدى الطويل، ولكن في نفس الوقت كانوا حازمين ومتيقظين .

الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي

الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي

 

وقد قال بوش امام الكونجرس عام 1947 انه يجب ان تكون سياسة الولايات المتحدة حاضرة لدعم الشعوب الحرة التي تقاوم بمحاولة اخضاعها وذلك من خلال الضغوط الخارجية ،وهذه الطريقة في التفكير من شأنها ان تشكل السياسة الخارجية الامريكية على مدى العقود الاربعة التالية .

 

 

الحرب الباردة ، العصر الذري :
توفر استراتيجية الاحتواء ايضا الاساس المنطقي لتراكم الاسلحة الغير مسبوق في الولايات المتحدة، ففي عام 1950، كان تقرير مجلس الامن القومي المعروف باسم نسك 68 قد ردد توصية ترومان بان تستخدم البلاد القوة العسكرية "لاحتواء" التوسعية الشيوعية وتحقيقا لهذه الغاية، دعا التقرير الى زيادة الانفاق الدفاعي الى اربعة اضعاف .

 

وعلى وجه الخصوص، شجع المسئولون الامريكيون على تطوير اسلحة ذرية مثل الاسلحة التي انهت الحرب العالمية الثانية، وهكذا بدأ "سباق التسلح القاتل" ، وفي عام 1949، قام السوفيت باختبار قنبلة ذرية من تلقاء نفسها ، وردا على ذلك، اعلن الرئيس ترومان ان الولايات المتحدة ستبني سلاحا ذريا اكثر تدميرا وهي القنبلة الهيدروجينية، او "سوبربومب" .

 

ونتيجة لذلك، كانت حصص الحرب الباردة من الاسلحة الذرية مرتفعة بشكل خطير ، وظهر اول اختبار للقنبلة الحربية، في جزيرة انيويتوك المرجانية في جزر مارشال، وقد انشأت كرة نارية تبلغ مساحتها 25 ميلا مربعا والتي دمرت حفرة ضخمة فى قاع المحيط ولديها القدرة على تدمير نصف مانهاتن ، وادت الاختبارات الامريكية والسوفيتية اللاحقة الى نقل النفايات المشعة السامة الى الغلاف الجوي .

 

وكان للتهديد المستمر للابادة النووية اثر كبير على الحياة المحلية الامريكية ايضا، فقام الناس ببناء ملاجئ للقنابل في منازلهم الخلفية، وقد مارسوا تدريبات هجومية في المدارس وغيرها من الاماكن العامة، وشهدت خمسينيات وستينات القرن الماضي وباء من الافلام الشعبية التي رعبت رواد السينما مع تصوير الدمار النووي والمخلوقات المتحولة، وبهذه الطرق وغيرها، كانت الحرب الباردة موجودة بشكل مستمر في حياة الاميركيين اليومية .

 

 

الحرب الباردة تمتد الى الفضاء :
وكان استكشاف الفضاء بمثابة ساحة درامية اخرى للمنافسة في الحرب الباردة ، ففي 4 اكتوبر 1957، تم اطلاق صاروخ عابر للقارات R-7 السوفيتي سبوتنيك (الروسية والتي سميت ب "المسافر")، وهو اول قمر اصطناعي في العالم واول كائن من صنع الانسان في المدار الارضي ، وجاء اطلاق سبوتنيك كمفاجأة، ولكنها كانت مفاجأة ليست ممتعة، لمعظم الاميركيين .

 

وفي الولايات المتحدة، كان ينظر الى الفضاء على انه الحدود التالية، وامتداد منطقي للتقاليد الامريكية الكبرى للتنقيب، وكان من الاهمية ايضا عدم فقدان الكثير من الارض للسوفيت، وبالاضافة الى ذلك ، كانت القوة الساحقة لصاروخ R-7، قادرة على ايصال رأس حربي نووي الى الفضاء الجوي الامريكي .

 

وفي عام 1958، اطلقت الولايات المتحدة اختراعها الخاص، اكسبلورر الاول، الذي صممه الجيش الامريكي تحت اشراف عالم الصواريخ ويرنر فون براون، وما كان يعرف باسم سباق الفضاء الجاري ، وفي العام نفسه، وقع الرئيس دوايت آيزنهاور نظاما عاما بانشاء الادارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، وهي وكالة اتحادية مكرسة لاستكشاف الفضاء، فضلا عن عدة برامج تسعى الى استغلال الامكانيات العسكرية للفضاء ، ومع ذلك، كان السوفييت لديهم خطوة واحدة قبلهم الى الامام، فقاموا باطلاق اول رجل في الفضاء في ابريل 1961 .

 

وفي مايو وبعد ان اصبح آلان شيبارد هو اول رجل امريكي في الفضاء، قدم الرئيس جون كينيدي ادعاء عام جريء بان الولايات المتحدة ستهبط برجلا على سطح القمر بحلول نهاية العقد ، وجاء التنبؤ به في 20 يوليو 1969، عندما اصبح نيل ارمسترونج من بعثة ناسا ابولو 11 ، هو اول رجل قام بوضع الطعام على سطح القمر، وقام بالفوز على نحو فعال في سباق الفضاء للامريكيين ، اما عن السوفييت، فهم بدورهم، تم تصويرهم على انهم الاشرار في نهاية المطاف، مع الجهود الضخمة التي لا هوادة فيها لتجاوز امريكا واثبات قوة النظام الشيوعي .

 

 

الحرب الباردة ، الخوف الاحمر :
في هوليوود، تم اجبار مئات الاشخاص الذين عملوا في صناعة السينما على التخلي عن المعتقدات السياسية اليسارية والشهادة ضد بعضهم البعض ، ففقد اكثر من 500 شخص وظائفهم، ولم يتمكن العديد من الكتاب والمدراء والممثلين وغيرهم من "القائمة السوداء" من العمل مرة اخرى لاكثر من عقد من الزمان، واتهم المجلس ايضا العاملين في وزارة الخارجية بالانخراط في انشطة تخريبية، وسرعان ما وسع سياسيون آخرون مناهضون للشيوعية، ابرزهم السيناتور جوزيف مكارثي ، وكان هذا التحقيق ليشمل اي شخص عمل في الحكومة الاتحادية ، ومع انتشار الهستيريا المناهضة للشيوعية في جميع انحاء الخمسينيات، فقد اساتذة الجامعات الليبرالية وظائفهم، وطلب من الناس الادلاء بشهادتهم ضد الزملاء واصبح "اديان الولاء" امرا شائعا .

 

 

الحرب الباردة في الخارج :
عبرت الحرب ضد التخريب في الداخل عن قلق متزايد ازاء التهديد السوفيتي في الخارج، وفي يونيو 1950، بدأ اول عمل عسكري للحرب الباردة عندما غزا الجيش الشعبي الكوري الشمالي المدعوم من السوفييت جارته الموالية للغرب الى الجنوب ، وكان العديد من المسؤولين الامريكيين يخشون ان هذه هي الخطوة الاولى في حملة شيوعية للاستيلاء على العالم واعتبرت ان عدم التدخل ليس خيارا، فارسل ترومان الجيش الامريكي الى كوريا، ولكن الحرب قد وصلت الى طريق مسدود وانتهت في عام 1953 .

 

وتبع ذلك نزاعات دولية اخرى ، ففي اوائل الستينات، واجه الرئيس كينيدي عددا من الحالات المثيرة للقلق ، ويبدو ان غزو خليج الخنازير في عام 1961 وازمة الصواريخ الكوبية في العام التالي اثبت ان الخطر الشيوعي الحقيقي يكمن الآن في "العالم الثالث" ، ومنذ الخمسينيات، كانت الولايات المتحدة ملتزمة ببقاء حكومة مناهضة للشيوعية في المنطقة، وبحلول اوائل الستينيات، بدا واضحا للقادة الامريكيين انهم اذا ارادوا "احتواء" فانه توسعي شيوعي بنجاح .

 

 

نهاية الحرب الباردة :
بمجرد ان تولى الرئيس ريتشارد نيكسون مهام منصبه، بدأ في تنفيذ نهج جديد للعلاقات الدولية، فبدلا من اعتبار العالم مكانا معاديا "ثنائي القطبية"، كان بدلا من ذلك يتساءل لماذا لا تستخدم الدبلوماسية بدلا من العمل العسكري لخلق المزيد من الاعمدة ، وتحقيقا لهذه الغاية، قامت الامم المتحدة بالاعتراف بالحكومة الصينية الشيوعية، وبدأت بعد الاقامة هناك فى عام 1972 اقامة علاقات دبلوماسية مع بكين ، وفي الوقت نفسه، تبنى نيكسون سياسة "الانفراج" او "الاسترخاء" ، اما عن الاتحاد السوفيتي، ففي عام 1972، وقع رئيس الوزراء السوفييتي ليونيد بريجنيف معاهدة الحد من الاسلحة الاستراتيجية (سالت) ، التي حظرت صنع الصواريخ النووية من كلا الجانبين واتخذت خطوة نحو الحد من تهديد الحرب النووية منذ عقود .

 

وعلى الرغم من جهود نيكسون، الا انه تسارعت الحرب الباردة مرة اخرى في عهد الرئيس رونالد ريجان مثل العديد من قادة جيله، واعتقد ريجان ان انتشار الشيوعية في اي مكان يهدد الحرية في كل مكان، ونتيجة لذلك، عمل على تقديم المساعدات المالية والعسكرية للحكومات المناهضة للشيوعية والتمرد في جميع انحاء العالم، وقد عرفت هذه السياسة، لا سيما في اماكن العالم النامي في اماكن مثل غرينادا والسلفادور، بمبدأ ريجان .

 

وتم تدمير جدار برلين والذي هو الرمز الاكثر وضوحا للحرب الباردة الذي دام لعقود طويلة ، فبعد مرور عامين على قيام ريجان بتحدي رئيس الوزراء السوفيتي بالقاء خطابه في بوابة براندنبورغ في برلين، جورباتشوف، هُدم هذا الجدار، وبحلول عام 1991، الاتحاد السوفيتي نفسه كام قد انحسر كثيرا .

كتب : رباب احمد

مواضيع مميزة :

loading