nav icon

تاريخ حرب القرم بين روسيا وتركيا

رسميًا انتهت حرب القرم في 30 مارس 1856 بعد معاهدة باريس التي وقعت بين روسيا والتحالف المنتصر الذي شمل فرنسا وإنجلترا والإمبراطورية العثمانية وسردينيا. وعلى الرغم من نسيان هذا الصراع اليوم ، إلا أن حرب القرم التي استمرت لمدة عامين ونصف العام أودى بحياة 750 ألف شخص على الأقل ، كما شهد هذا النزاع أول ظهور لميدان السكك الحديدية والتلغراف والبخار والبنادق المسدودة، وأول ظهور لمراسلي الأخبار في ساحات الحروب، وأسهمت في نبوغ رائد من رواد الأدب كتولستوي... بالإضافة إلى عدة أشياء أخرى ربما لم تكن تعرفها من قبل عن حرب القرم إحدى حروب القرن التاسع عشر الأكثر تدميرًا ، والتي سوف نتعرف عليها في هذا المقال. ..

 

 

1- التوترات الدينية هي التي ساعدت على اندلاع حرب القرم :
على الرغم من أن حرب القرم كانت تعتبر صراع بين الإمبراطوريات ، إلا أنها اشتعلت بسبب نزاع ديني طفيف؛ إذ تصارع المسيحيون الأرثوذكس والكاثوليك الرومانيون لعدة سنوات للوصول إلى الأماكن المقدسة داخل حدود الإمبراطورية العثمانية ذات الأغلبية المسلمة، وزعمت كل من فرنسا وروسيا أنهما المدافعتين عن هؤلاء المسيحيين العثمانيين ، حيث دعمت فرنسا الكاثوليك وروسيا الأرثوذكس ، ثم في عام 1852 بدأوا بالمطالبة بالاعتراف بهم من قبل الحكومة العثمانية.

 

وعندما تجاهل الأتراك بعض مطالبهم ، قام القيصر الروسي نيكولاس الأول بتجميع جيشه واحتل الأراضي العثمانية في رومانيا الآن. وقتها سارعت بريطانيا للوقوف بجانب تركيا ليس حبًا فيها، وإنما خوفًا من سعي القيصر إلى تفكيك الإمبراطورية العثمانية، إذ كانت تركيا ضعيفة في ذلك الوقت وكان يطلق عليها "رجل أوروبا المريض" ، لذا فقد أعلنت الحرب على روسيا في مارس 1854.

 

وسرعان ما تحولت حرب القرم إلى نضال إمبراطوري بسبب ضعف الإمبراطورية العثمانية ، لكنها لم تفقد أبدًا دلالاتها الدينية، حيث كان يندد المسيحيون البريطانيون والفرنسيون بشكل متواصل بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية في الصحافة ، ونظر العديد من الروس والأتراك للصراع على أنه حرب مقدسة بين المسيحية الشرقية والإسلام.

 

 

2- لم تكن الحرب في شبه جزيرة القرم :
على الرغم من أن اسمها حرب القرم، إلا أن هذه الحرب كانت صراعًا عالميًا ودارت معاركها في عدة أماكن مختلفة، ووقعت اشتباكات مبكرة في البلقان وتركيا ، وتحول التركيز فقط إلى شبه جزيرة القرم بعد أن شن الحلفاء غزوًا لشبه الجزيرة في سبتمبر 1854، ووقعت معظم المعارك الشهيرة فيها.

 

بينما المواجهات البحرية والقتال المتقطع حدث في أماكن بعيدة مثل القوقاز والبحر الأسود وبحر البلطيق والبحر الأبيض على الساحل الشمالي الغربي لروسيا، وفي أغسطس 1854 ، شنت القوات الفرنسية والبريطانية هجومًا فاشلاً على بتروبافلوفسك ، وهي مدينة ساحلية على ساحل المحيط الهادئ الروسي بالقرب من سيبيريا.

 

حرب القرم

 

3- لم تكن قوى الحلفاء متوافقة مع بعضها البعض :
على الرغم من توحدهما الظاهري ضد روسيا ، إلا أن قوى بريطانيا وفرنسا والإمبراطورية العثمانية لم يكونوا حلفاء طبيعيين. فكان البريطانيون والفرنسيون مثلاً أعداء قدامى وكانوا قد تصارعوا خلال حروب نابليون قبل بضعة عقود ، وظلوا معظم حرب القرم يتشاجرون حول الإستراتيجية والتكتيكات الميدانية، ومن المعروف أن القائد العام البريطاني اللورد راجلان ، الذي فقد ذراعه في معركة واترلو ، كان يشير إلى الفرنسيين - وليس الروس - على أنهم "العدو".

 

 

4- معظم فترة الحرب كانت حصارًا دام 11 شهرًا :
بعد غزو شبه جزيرة القرم في خريف عام 1854 ، حققت قوات الحلفاء نصرًا في معركة ألما ، ثم حاصرت المركز البحري الروسي الحيوي في سيفاستوبول، وكانوا يعتقدون أن المدينة ستقع في غضون أسابيع ، ولكن بعد سلسلة من الهجمات المضادة الروسية الدموية في معركة بالاكلافا وإنكرمان ، وصلت الحرب إلى طريق مسدود، وحفر كلا الجانبين خطوط خنادق واسعة حول سيفاستوبول.

 

وعانى الجنود في فصل الشتاء الروسي القاسي ، وسقط العديد منهم ضحية "جنون الخندق" ، أو صدمة القصف ، بسبب القصف المدفعي المستمر وغارات العدو. واستغرق الأمر 11 شهرًا قبل أن يجبر الهجوم الفرنسي الروس على إخلاء سيفاستوبول. وكان سقوط المدينة نهاية رمزية لحرب القرم ، ولكن القتال استمر حتى اعترفت روسيا أخيرًا بالهزيمة في العام التالي.

 

 

5- كانت هذه الحرب الأولى التي يظهر بها مراسلي الأخبار والمصورين في ساحة المعركة :
بفضل التقنيات الجديدة مثل البواخر والتلغراف الكهربائي ، كانت حرب القرم تعد أول نزاع كبير أرسل منه الصحفيون المدنيون رسائل من ميدان المعركة، وكان المراسل الحربي الأبرز هو ويليام هوارد راسل ، وكان مراسل صحيفة تايمز أوف لندن وكان له عدد كبير من القراء ، كما أنه كان مكروهًا من عدد كبير من الجنرالات بسبب وصفه لأخطاء الجيش البريطاني والظروف المروعة لمخيمات الجيش والمستشفيات.

 

وقد ساعدت تقارير راسل في إقناع الحكومة البريطانية بالسماح للممرضات مثل فلورانس نايتنجيل بالانضمام إلى المجهود الحربي ، كما تم تصوير حرب القرم من قبل المصورين مثل روجر فينتون وجيمس روبرتسون ، وكانت هناك مئات الصور من ساحات المعارك .

 

حرب القرم

 

6- الحرب كانت انطلاقة لمسيرة ليو تولستوي الأدبية :
إلى جانب تحطم آمالهم في النصر في شبه جزيرة القرم ، كان لحصار سيفاستوبول نتائج أخرى للروس حيث ساعدت في ولادة أحد أبرز مؤلفيهم الأسطوريين، فقد قضى المؤلف الشهير ليو تولستوي عدة أشهر في الخدمة دفاعًا عن المدينة كضابط مدفعية ، وبين المناوشات والقصف ، كتب الكاتب الشاب سلسلة من الروايات غير الثابتة عن الحصار والتي نُشرت تحت عنوان "اسكتشات سيفاستوبول".

 

وعلى الرغم من الرقابة الجزئية من جانب الحكومة ، إلا أن هذه الرسائل أعطت القراء لمحة مباشرة عن أهوال القتال ، وبسبب شهرة هذه الرسائل تحول تولستوي إلى نجم من نجوم الأدب بعد انتهاء الحرب. وبعد مرور عقد من الزمان ، اعتمد المؤلف العظيم مرة أخرى على تجاربه في حرب القرم أثناء كتابة أحد أشهر أعماله - الرواية الملحمية "الحرب والسلام".

 

 

7- لم تكن فلورنس نايتنجيل الممرضة الشهيرة الوحيدة في الحرب :
اشتهرت الممرضة البريطانية فلورانس نايتنجيل بالتقنيات الصحية والإدارية الرائدة في مستشفيات الحرب في شبه جزيرة القرم ، لكنها لم تكن الشخصية الطبية الوحيدة في هذا الصراع. فقد تلقى الجنود مساعدات من ماري سيكل ، وهي امرأة مولودة في جامايكا وسافرت إلى شبه جزيرة القرم وقسمت وقتها بين بيع اللوازم والمواد الغذائية والأدوية ومعالجة الجرحى في الخطوط الأمامية.

 

وعلى الجانب الروسي ، اشتهرت امرأة تدعى داريا ميخائيلوفا باسم "داشا من سيفاستوبول" وساعدت الطبيب نيكولاي بيروغوف في إجراء جراحة ميدانية واستخدام مواد التخدير. ولكن بالرغم من الجهود التي بذلها أشخاص مثل نايتنجيل وبيروجوف ، إلا أن الأمراض المعدية كانت تقتل جنود حرب قرم أكثر من القتال نفسه. وقد عانى البريطانيون وحدهم بما يقدر بنحو 16000 حالة وفاة بسبب الأمراض مقارنة مع وفاة 5000 شخص فقط في المعارك.

 

 

8- ساعدت الحرب في إقناع روسيا ببيع ألاسكا إلى الولايات المتحدة :
كان هناك عدة عوامل لقرار روسيا بتفريغ أراضيها في أمريكا الشمالية في ألاسكا ، ولكن كان أهم هذه الأسباب هزيمتها في شبه جزيرة القرم؛ إذ وجدت الحكومة القيصرية نفسها في حاجة ماسة إلى الذهب لتعويض ديونها بسبب الحرب ، وكانت هناك مخاوف من احتمال فقدان ألاسكا لحساب بريطانيا العظمى في حرب مستقبلية. ولكن ظهرت الولايات المتحدة ، والتي كانت صديقة مع روسيا خلال حرب القرم .

 

وفي عام 1867 بعد تأخير تسببت فيه الحرب الأهلية ، وقع وزير الخارجية وليام سيوارد صفقة لشراء ألاسكا بسعر 7.2 مليون دولار ، ومع الوقت أثبتت هذه الصفقة أنها استثمار رائع ، على الرغم من أنها كانت لا تحظى بشعبية في البداية بين السياسيين الأمريكيين .

كتب : سماح سعد

مواضيع مميزة :

loading